يصعب فهم السياسة الكويتية اليوم إذا بدأنا الحكاية من مجلس الأمة أو من دستور 1962، فالدولة الدستورية التي عرفتها الكويت لاحقا لم تظهر فجأة مع الاستقلال، وإنما كانت نتيجة تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية تراكمت على مدى عقود. وهذا هو العالم الذي يرويه أحمد الخطيب في «الكويت من الإمارة إلى الدولة: ذكريات العمل الوطني والقومي»؛ عالم انتقلت فيه الكويت خلال فترة قصيرة نسبيا من مجتمع صغير محدود الموارد إلى دولة نفطية حديثة، بينما ظل السؤال السياسي الأكثر تعقيدا مفتوحا: كيف تتوزع السلطة في هذه الدولة الجديدة، وما موقع المجتمع في صناعتها؟
تبدأ الحكاية من الكويت قبل النفط، حين كانت المدينة صغيرة ومحاطة بالسور، وكان البحر والتجارة والسفر مصادر أساسية للرزق. لم تكن الدولة آنذاك جهازا ضخما له وزارات ومؤسسات وميزانيات كما نعرفها اليوم، وكانت العلاقات الاجتماعية والسياسية أكثر مباشرة، تتداخل فيها الأسرة والتجارة والحي والمكانة الاجتماعية. ومن هذه البيئة خرج جيل عاش بنفسه الانتقال من الكويت القديمة إلى مجتمع مختلف جذريا.
كان التعليم أحد أبواب هذا التحول. فخروج الكويتيين للدراسة في الخارج، وخصوصا إلى بيروت والقاهرة، وضع جيلا كاملا أمام أفكار لم تكن محصورة داخل حدود الكويت: فلسطين، والاستعمار، والوحدة العربية، والقومية، والديمقراطية، والاستقلال. والخطيب نفسه كان نموذجا واضحا لهذا الجيل. فتجربته في بيروت لم تكن تعليمية فقط، وإنما كانت مرحلة تكوين سياسي وفكري، ومنها دخل في النشاط الطلابي والقومي ثم في تجربة حركة القوميين العرب.
وهذه الخلفية مهمة لفهم الحياة السياسية الكويتية في الخمسينيات والستينيات. فالقوى الوطنية آنذاك لم تكن تفصل بصورة حادة بين الشأن المحلي والشأن العربي. كانت فلسطين قضية كويتية بقدر ما هي عربية، وكذلك الثورة الجزائرية والوحدة العربية ومقاومة الاستعمار. وتظهر هذه الروح حتى داخل المؤسسات الكويتية، حيث طرحت مبادرات لدعم الثورة الجزائرية سياسيا وماديا.
لكن العامل الذي غير الكويت بصورة لا تقارن بأي عامل آخر كان النفط. لم تكن أهميته في أنه صنع الثراء فقط، بل في أنه غير طبيعة الدولة نفسها. فخلال الخمسينيات تسارع إنشاء المؤسسات والإدارات والخدمات العامة، وبدأت الكويت تتحول من إمارة تعتمد على ترتيبات اجتماعية وإدارية محدودة إلى جهاز دولة واسع يدير ثروة ضخمة ومجتمعا يتغير بسرعة. وتشير تجربة تلك المرحلة إلى أن توسع الموارد ترافق مع نمو متسارع في مؤسسات الدولة الحديثة.
وهنا بدأ يظهر التناقض الذي سيلازم الحياة السياسية الكويتية لعقود. فقد كان ممكنا تحديث الطرق والمدارس والمستشفيات والإدارات بسرعة، لكن تحديث العلاقة بين السلطة والمجتمع كان أكثر تعقيدا. فالدولة الجديدة تمتلك موارد أكبر وسلطات أوسع من الإمارة القديمة، وبالتالي أصبح السؤال عن الرقابة على هذه السلطة وعن المشاركة في القرار أكثر إلحاحا، لا أقل أهمية.

ويمثل عهد الشيخ عبدالله السالم المرحلة الأكثر حسما في هذا الانتقال. ففي عهده تبلورت مؤسسات الدولة، ثم جاء الاستقلال عام 1961، والمجلس التأسيسي، ودستور 1962، وبعده مجلس الأمة. بذلك اكتسب التحول الاقتصادي والإداري إطارا سياسيا وقانونيا جديدا. لم يعد المواطن يتعامل فقط مع حاكم أو مسؤول، بل أصبحت هناك حكومة ومجلس منتخب ودستور وأدوات رقابة ومساءلة.
ومن المفيد هنا ألا ننظر إلى دستور 1962 باعتباره نقطة البداية، بل باعتباره حصيلة مسار سابق. فقد سبقه مجلس 1938، والنشاط السياسي والثقافي، والنوادي، والحركة الطلابية، والمطالب الوطنية، وتجارب المجالس والانتخابات في بعض المؤسسات. حتى قبل الاستقلال كانت فكرة المشاركة تتوسع تدريجيا في المجتمع. ومن الأمثلة الدالة انتخابات جرت في أواخر الخمسينيات لإدارة بعض الشؤون العامة، وهي تكشف أن الممارسة الانتخابية كانت تتشكل قبل قيام النظام الدستوري بصورته النهائية. الكويت من الإمارة الى الدولة
لذلك يمكن النظر إلى دستور 1962 بوصفه تسوية تاريخية بين شرعية الأسرة الحاكمة من جهة، ومطلب المشاركة الشعبية من جهة أخرى. لم يلغ الدستور موقع الأسرة في الحكم، وفي المقابل لم يجعل إدارة الدولة شأنا خاصا بالسلطة التنفيذية. أنشأ مساحة دستورية يستطيع المجتمع من خلالها المشاركة والرقابة والمحاسبة.
ومن هنا أيضا نفهم لماذا أصبح مجلس الأمة مركز الصراع السياسي الكويتي. فمع وجود المجلس أصبح النائب قادرا على سؤال الوزير ومناقشة أداء الحكومة والمال العام والمشروعات. ومنذ البدايات ظهرت الأسئلة النيابية حول الخدمات والمشروعات الحكومية، بما يكشف الانتقال التدريجي من العلاقة الشخصية مع السلطة إلى مفهوم المساءلة المؤسسية.
لكن إنشاء المؤسسات لم ينه الخلاف حول حدودها.
وهذه ربما أهم فكرة يمكن الخروج بها من تجربة الخطيب السياسية. فالكويت حسمت مبكرا شكل الدولة الحديثة، لكنها لم تحسم نهائيا توازن السلطة داخلها. منذ الستينيات أخذت تظهر بصورة متكررة خلافات حول الانتخابات، وصلاحيات المجلس، وأداء الحكومة، والحريات، والتنظيم السياسي، وعلاقة الأسرة الحاكمة بالمؤسسات المنتخبة. ومع كل أزمة يعود السؤال نفسه بصورة مختلفة: هل يمثل الدستور قواعد مستقرة لإدارة الخلاف، أم أن هذه القواعد نفسها تصبح موضوعا للصراع عندما تتغير موازين القوى؟
ومن هنا يصبح حل مجلس الأمة وتعطيل الحياة النيابية والصراع حول تعديل النظام السياسي أكثر من مجرد أحداث منفصلة. إنها حلقات في نزاع أقدم حول طبيعة الدولة التي نشأت بعد النفط والاستقلال. فالسلطة تريد المحافظة على قدرتها على إدارة الدولة، بينما ترى القوى الوطنية أن الدولة الحديثة لا تكتمل من دون رقابة سياسية فعلية ومؤسسات لا تتوقف فعاليتها على رضا السلطة عنها.
واللافت أن الخطيب لا يتعامل مع الاستقرار والديمقراطية باعتبارهما نقيضين. ففي تصوره، استقرار النظام الدستوري يحتاج إلى احترام الدستور والقانون والمساواة بين المواطنين، وإلى حكومة قادرة على العمل ضمن هذه القواعد، وإلى علاقة مؤسسية واضحة بين الحكم والحكومة والمجلس.
ومع تقدم السنوات تتغير الكويت نفسها. لم تعد القوى التي صنعت الحياة السياسية في الخمسينيات والستينيات تحتفظ بالموقع ذاته. تراجع المد القومي، وظهرت قوى إسلامية واتجاهات اجتماعية وسياسية مختلفة، وتغيرت تركيبة المجتمع، وأصبح النظام الانتخابي نفسه جزءا من الصراع. وفي انتخابات 1981، على سبيل المثال، يتوقف الخطيب عند إعادة توزيع الدوائر والظروف الإقليمية المحيطة بالكويت بوصفها عوامل أثرت في المنافسة السياسية وتركيبة المجلس.
وهذا التحول مهم لأنه يكشف أن تاريخ الديمقراطية الكويتية ليس قصة خط مستقيم يتقدم باستمرار. هناك مراحل انفتاح تتبعها انتكاسات، وتحالفات تتغير، وقوى سياسية تصعد وأخرى تتراجع، فيما يبقى الدستور نقطة المرجع التي تعود إليها الأطراف كلما اشتد الخلاف.
ثم يأتي الغزو العراقي ليضع الخلافات الداخلية كلها أمام اختبار وجودي. فالدولة نفسها أصبحت مهددة، وأصبحت الأولوية لتحرير الكويت واستعادة الشرعية. وبعد التحرير عادت مسألة الحياة الدستورية والمشاركة السياسية إلى الواجهة، وعاد الخطيب إلى مجلس الأمة في انتخابات 1992 وشارك في لجانه وقضاياه الرقابية. الكويت من الإمارة الى الدولة وهكذا لم ينه الغزو الأسئلة القديمة، بل عادت بعده إلى الظهور في دولة تغير مجتمعها كثيرا عما كان عليه عند وضع الدستور.
ما أضافته لي هذه المذكرات هو أنها جعلتني أرى التاريخ السياسي للكويت كسلسلة واحدة بدلا من مجموعة أزمات منفصلة. مجلس 1938، والحركة الوطنية، وعبدالله السالم، والاستقلال، والدستور، ومجلس الأمة، وتعليق الحياة النيابية، والصراع على الدوائر والانتخابات، والغزو، ثم العودة إلى البرلمان؛ ليست ملفات مستقلة، بل مراحل مختلفة من سؤال واحد رافق نشوء الكويت الحديثة: كيف تتحول الإمارة إلى دولة من دون أن يبقى البناء السياسي أقل تطورا من البناء الاقتصادي والإداري؟
وهنا تحديدا تكمن قيمتها في مكتبتي. فأحمد الخطيب لا يكتب من موقع المراقب المحايد، بل من موقع أحد أطراف الصراع، وهذا يفرض قراءة روايته إلى جانب روايات أخرى لا باعتبارها الحقيقة الوحيدة. لكن قربه من الأحداث يمنحنا شيئا يصعب أن توفره الكتب التاريخية الباردة: كيف كان أحد أبرز رجال الحركة الوطنية يرى الدولة وهي تتكون، وكيف فهم العلاقة بين الحكم والثروة والدستور والمجتمع.
والأهم أن هذه الذاكرة تجعل كثيرا من واقع الكويت السياسي المعاصر أكثر قابلية للفهم. فالصراع المتكرر حول المجلس والدستور والحريات وصلاحيات الحكومة ليس ظاهرة ولدت في السنوات الأخيرة، بل امتداد لمسألة لم تجد الكويت لها تسوية نهائية منذ نشوء دولتها الحديثة. لقد نجحت الكويت منذ زمن بعيد في الانتقال من الإمارة إلى الدولة، لكن السؤال الذي يبقى بعد قراءة هذه التجربة هو ما إذا كان الانتقال إلى دولة دستورية مستقرة في قواعدها ومؤسساتها قد اكتمل بالقدر نفسه.
مرفق الكتاب للمزيد من المتعة

