مكافحة الفساد في الكويت: هل نبدأ من القمة أم القاعدة؟
يشكل الفساد أحد أهم التحديات التي تواجه الدول والمجتمعات، وهو عائق رئيسي أمام التنمية والإصلاح. في الكويت، كانت هناك مرحلة وُصفت بأنها حقبة فساد أثرت على البلاد بمختلف جوانبها، سواء على مستوى الإدارة أو الاقتصاد أو الخدمات العامة.
ومع دخول البلاد في مرحلة جديدة تهدف إلى الإصلاح والتنمية، تثار تساؤلات حول جدية هذه الجهود ومدى شموليتها.
الفساد في الحقبة السابقة
يرى كثيرون أن الفترة السابقة كانت مليئة بالممارسات التي أضرت بالبلاد والعباد، حيث ساهم العديد من القيادات والمسؤولين في تعزيز الفساد بدلاً من محاربته.
وكانت هناك مظاهر واضحة للفساد، منها سوء الإدارة، تضارب المصالح، ونهب الأموال العامة.
ومع انتقال البلاد إلى مرحلة يُفترض أنها مرحلة إصلاحية، يجب أن تكون هناك قرارات جريئة تنهي أي وجود للقيادات التي شاركت أو دعمت أو حتى سكتت عن هذا الفساد.
إرث ثقيل من الفساد يعيق الإصلاح
تضارب المصالح والشبهات – قانوني وشخصي
يأتي الحديث هنا عن الشيخ أحمد مشعل الأحمد، الذي شغل منصب رئيس جهاز متابعة الأداء الحكومي منذ 4 سبتمبر 2012 وحتى اليوم، بالإضافة إلى مناصب أخرى، مثل نائب رئيس مؤسسة الموانئ الكويتية بين 2014 و2018.
يطرح تساؤل حول مدى ملاءمته للاستمرار في منصبه في ظل المرحلة الجديدة، خاصة مع الشبهات التي تدور حوله بشأن تضارب المصالح.
أبعاد تضارب المصالح والشبهات
وفقاً للقانون رقم (1) لسنة 2023 في شأن منع تعارض المصالح ولائحته التنفيذية، يلتزم الخاضع لأحكام القانون، متى قامت في حقه حالة من حالات تعارض المصالح، بالإفصاح عنها وفق الإجراءات المقررة، كما يتعين عليه إزالة حالة التعارض فور علمه بها، سواء بالتنحي عن اتخاذ القرار أو التصرف أو المشاركة فيه، أو بالتخلص من السبب الذي أدى إلى قيام حالة تعارض المصالح.
ويهدف هذا التنظيم إلى حماية نزاهة الوظيفة العامة وضمان استقلالية وموضوعية القرارات، ومنع تداخل المصالح الخاصة مع الواجبات والمسؤوليات الوظيفية.
وفي هذا السياق، يثير التقرير تساؤلات بشأن حالة الشيخ أحمد مشعل الأحمد، في ضوء ما يورده من وجود مصالح وملكيات مرتبطة بأقارب له في شركة «KGL»، بالتزامن مع شغله منصباً قيادياً في مؤسسة الموانئ الكويتية، التي كانت بينها وبين شركات «KGL» تعاملات ونزاعات.
ولا يكفي وجود صلة قرابة أو ملكية في شركة، بحد ذاته، لإثبات حالة تعارض المصالح؛ وإنما تبرز أهمية التحقق من هوية أصحاب تلك الملكيات، ودرجة قرابتهم، ونسب ملكيتهم، والفترة الزمنية التي كانت فيها هذه الملكيات قائمة، وطبيعة تعامل الشركة مع مؤسسة الموانئ، ومدى اتصال ذلك بأعمال واختصاصات الشيخ أحمد خلال فترة توليه المنصب.
ومن هنا، فإن جوهر المسألة التي يثيرها التقرير لا يتمثل في مجرد وجود علاقة عائلية أو ملكية في شركة «KGL»، وإنما في تحديد ما إذا كانت هناك مصلحة مالية أو تجارية تتقاطع مع الاختصاصات والمسؤوليات المرتبطة بالمنصب العام، وما إذا كانت مثل هذه الحالة ـ إن ثبت قيامها ـ قد تم الإفصاح عنها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإزالة تعارض المصالح.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المناصب الرقابية والتنفيذية التي شغلها الشيخ أحمد مشعل الأحمد، إذ إن مبادئ النزاهة والحوكمة تقتضي الفصل بين المصالح الخاصة وممارسة الاختصاصات العامة، بما يحافظ على حياد القرار ويحول دون تأثره بأي مصلحة شخصية أو عائلية.

مخالفات الشيخ أحمد مشعل: نموذج للرقابة الغائبة؟
يمارس جهاز متابعة الأداء الحكومي دوره في متابعة أداء الجهات الحكومية وفقاً للاختصاصات والصلاحيات الواردة في مرسوم إنشائه رقم 346 لسنة 2007.
ومن المفترض أن يعمل الجهاز على تعزيز النزاهة والشفافية، ولكن التقرير يقول إن هناك عدداً من المخالفات التي شابت فترة تولي الشيخ أحمد مشعل الأحمد منصب رئيس الجهاز.
مهام الجهاز وأهدافه
- متابعة أداء الجهات الحكومية والتزامها بتنفيذ القوانين والسياسات العامة للدولة.
- التنسيق مع الوزراء لمتابعة تنفيذ القوانين وقرارات مجلس الوزراء.
- دراسة تقارير ديوان المحاسبة واقتراح الآليات لمعالجة الملاحظات.
- مراقبة المشاريع الحكومية وضمان تنفيذها ضمن الجداول الزمنية.
المخالفات المنسوبة إلى الشيخ أحمد مشعل الأحمد
- تضارب المصالح: امتلاكه أو أقربائه أسهماً في شركة «KGL»، التي كانت في نزاع مباشر مع مؤسسة الموانئ الكويتية، وهو يشغل منصب نائب رئيس المؤسسة آنذاك.
- عدم الالتزام بقانون تضارب المصالح: بقاء الشيخ في منصبه رغم وجود ارتباطات مالية وتجارية يقول التقرير إنها قد تؤثر على نزاهته الوظيفية.
- إهمال دوره الرقابي: بصفته رئيس جهاز متابعة الأداء الحكومي منذ 2012، يثير التقرير تساؤلات حول عدم اتخاذ خطوات حاسمة ضد قضايا فساد كبرى، ومنها قضية «KGL».
- الاستفادة من النفوذ العائلي: يورد التقرير ادعاءً بأنه شغل مناصب قيادية دون محاسبة رغم ارتباطه بفترة وصفها التقرير بالفساد.
صندوق الموانئ: زيادة رأس المال وسط اعتراضات الجهات الرقابية
- مخالفات زيادة رأس مال صندوق الموانئ
طلب زيادة رأس المال: يقول التقرير إن شركة «KGL» للاستثمار طلبت زيادة مساهمة مؤسسة الموانئ الكويتية بمبلغ 35 مليون دولار في 2013.
تنفيذ الزيادة رغم اعتراض الجهات الرقابية: بحسب التقرير، شملت الجهات المعترضة ديوان المحاسبة، وزارة المالية، وإدارة الفتوى والتشريع.
النتيجة: يقول التقرير إن هذه الزيادة ساهمت في دعم شركة كانت تواجه قضايا وشبهات فساد منذ 2011.
2. استغلال أراضي الدولة دون مقابل
تعديات شركة KGL: يدعي التقرير أن شركة «KGL» للمناولة واللوجستيك استغلت مليون متر مربع من أراضي الدولة دون وجه حق.
تأجير الأراضي: ويذكر أن الشركة قامت بتأجير الأراضي من الباطن بمبالغ ضخمة دون عائد للدولة.
استغلال ميناء عبدالله: ويقول التقرير إن شركة KGL استغلت مساحة بميناء عبدالله، وينسب إليها مخالفات شملت سرقة الكهرباء وتعديات مالية تجاوزت 130 مليون دينار.
3. عقود مخالفة مع الجيش الأمريكي
تفاصيل العقود: بحسب التقرير، استغلت شركة KGL أراضي الدولة لتأجيرها كمستودعات للجيش الأمريكي بمقابل ضخم.
مخالفات الاستخدام: ويقول التقرير إن الأراضي استُخدمت خلافاً للغرض المخصص لها، مما حرم الدولة من العائد المالي المستحق.
4. خسائر مالية ضخمة
يسرد التقرير الخسائر التالية: ضياع 3.4 مليون دينار بسبب إعفاء شركة KGL من دفع مقابل استغلال المساحات، وخسارة 1,072,656 ديناراً نتيجة تخصيص أراضٍ مباشرة دون طرحها في مزايدة.
5. مخالفات إدارية ومالية في مؤسسة الموانئ
محاولات تسوية قضايا الفساد: يقول التقرير إنه تم تقديم مقترحات لتسوية القضايا ضد شركة KGL، تضمنت إنهاء القضايا مقابل دفع أموال مستحقة، رغم وجود أحكام وتقارير صادرة خلال الفترة 2012–2016.
إهدار أحكام قضائية: ويذكر التقرير أنه لم يتم استرداد مبالغ مالية مستحقة للدولة رغم وجود أحكام قضائية نهائية بقيمة تجاوزت 250 مليون دينار.
تقارير ديوان المحاسبة: ملاحظات متكررة دون إجراءات حاسمة
- مخالفات تقارير ديوان المحاسبة
يشير التقرير إلى تقرير 2014/2015، ويذكر من ملاحظاته: استغلال أراضٍ في ميناء الشويخ وتأجيرها من الباطن دون موافقة الدولة؛ فقدان 18 مليون دينار نتيجة تخصيص أراضٍ لشركة KGL بمبالغ زهيدة مقارنة بالقيمة السوقية؛ وعدم تحصيل رسوم الخدمات، حيث بلغت قيمة الرسوم غير المحصلة على الكهرباء والماء 1.173 مليون دينار، بسبب عقود طويلة الأجل مع شركات مثل KGL.
2. المخالفات المتعلقة بالوظائف الإدارية والرقابية
الجمع بين وظيفتين حكوميتين: يذكر التقرير أن الشيخ أحمد مشعل الأحمد الصباح شغل منصبين، أحدهما رقابي، وهو رئيس جهاز متابعة الأداء الحكومي، والآخر تنفيذي، وهو عضو مجلس إدارة مؤسسة الموانئ الكويتية، ويعتبر التقرير أن ذلك يتعارض مع مبادئ النزاهة.
الترسية على شركات مشبوهة: ويذكر التقرير ترسية مزايدة بقيمة 50 مليون دينار على شركة KGL رغم رفض ديوان المحاسبة.
عدم اتخاذ إجراءات رقابية: يدعي التقرير أن الجهاز لم يتدخل لمعالجة المخالفات، ويربط ذلك بخسائر مالية وانتشار الفساد في مؤسسة الموانئ.
3. القضايا القضائية المرتبطة بشركة KGL
قضايا اختلاس: القضية رقم 1496/2012 حصر أموال عامة، ويذكر التقرير اختلاسات بقيمة 136 مليون دولار.
تهمة غسل أموال: القضية رقم 2138/2020، ويقول التقرير إنها شملت غسل أموال بقيمة مليون دينار.
اختلاس أموال صندوق الموانئ: ويورد التقرير مبلغي 400 مليون دولار و60 مليون دولار من صندوق الموانئ الاستثماري
4. مخالفات شركة KGL
يقول التقرير إن شركة KGL للاستثمار طلبت زيادة رأس مال مؤسسة الموانئ الكويتية رغم وجود قضايا وشبهات ضد الشركة منذ 2011.
كما ينسب التقرير تخصيص أموال عامة للشركة دون مبرر قانوني، ويربط ذلك بخسائر مالية للدولة.
ويضيف أن شركات تابعة لـKGL استولت على أراضٍ مملوكة للدولة واستغلتها بصورة مخالفة، ما أدى، بحسب التقرير، إلى خسارة الخزينة العامة ملايين الدنانير.
5. تقارير ديوان المحاسبة
يذكر التقرير تكرار ملاحظات ديوان المحاسبة على تجاوزات KGL دون اتخاذ إجراءات تصحيحية من قبل جهاز متابعة الأداء الحكومي، وتجاهل تقارير الفساد المالي والإداري المتعلقة بشركات KGL، بما أضر — وفقاً للتقرير — بالمصلحة العامة
6. تضارب المصالح
يذكر التقرير وجود أقارب من الدرجة الأولى للشيخ أحمد ضمن مساهمي KGL، ويرى أن ذلك أثار شبهات حول دعم الجهاز للشركة.
كما يشير إلى عدم إصدار تقارير رقابية أو اتخاذ إجراءات حاسمة ضد الانتهاكات المنسوبة إلى الشركات التابعة لـKGL.
7. الأحكام القضائية
يذكر التقرير صدور أحكام باتة ضد مسؤولين في KGL بالاختلاس والاستيلاء على الأموال العامة، مع ادعاء عدم اتخاذ الجهاز خطوات لمعالجة الوضع، واستغلال أراضٍ مملوكة للدولة لتأجيرها للجيش الأمريكي بمبالغ ضخمة دون عائد للدولة.
النتائج السلبية
يخلص التقرير في هذا الجزء إلى: ضياع مبالغ ضخمة من المال العام بسبب غياب الرقابة الفعالة؛ استمرار التجاوزات المنسوبة إلى شركات KGL رغم صدور أحكام قضائية؛ وفقدان الثقة في جهاز متابعة الأداء الحكومي بسبب ما يصفه التقرير بالتهاون مع المخالفات الجسيمة.
قضايا الفساد المرتبطة بشركة KGL
يصف التقرير شركة KGL بأنها متورطة في قضايا فساد كبرى داخل الكويت، ويسرد أبرز ما يعتبره قضايا مرتبطة بها:
- الأحكام القضائية: يذكر التقرير صدور حكم محكمة التمييز عام 2021 بسجن رئيس الشركة ونائبته واسترداد مئات الملايين من الدولارات لمؤسسة الموانئ الكويتية.
- العلاقات المشبوهة: يقول التقرير إن الشركة لم تنفِ علاقتها بإيران، ويعتبر أن ذلك أثار مخاوف بشأن تأثير هذه العلاقة على المصالح العليا لدولة الكويت، خاصة في ظل التوترات الإقليمية.
- تمويل اللوبيات: يقول التقرير إن الشركة مولت لوبي أمريكياً بقيادة نيل بوش، ابن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، للضغط على الكويت لإطلاق سراح نائبة رئيس الشركة المدانة، ماريا لازاريفا.
- الممارسات غير القانونية: يذكر التقرير أن مؤسسة الموانئ، بقيادة الشيخ يوسف العبدالله، تصدت للشركة، لكنه يطرح تساؤلاً حول كيفية استمرار الشركة في العمل والحصول على عقود جديدة رغم الأحكام الصادرة ضدها.
التحديات أمام الإصلاح: هل الكويت مستعدة للتغيير؟
إذا كانت الدولة جادة في الإصلاح، فلا بد من مواجهة القيادات الكبرى التي كانت جزءاً مما يصفه التقرير بـ«حقبة الفساد».
ويقول إن التحدي ليس فقط في إزالة هذه القيادات، بل أيضاً في استبدالها بشخصيات ذات كفاءة ونزاهة لضمان نجاح المرحلة الإصلاحية.
ويستشهد التقرير بدول مثل سنغافورة ورواندا، ويقول إنها بدأت مكافحة الفساد من القمة، وركزت على تنظيف «رأس السلم» أولاً.
الخاتمة
يخلص التقرير إلى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب مواجهة شاملة وشفافة للفساد بجميع أشكاله ومستوياته، وأن البلاد لا يمكنها الدخول في مرحلة جديدة من التنمية إذا استمرت القيادات التي يعتبرها التقرير جزءاً من المرحلة السابقة في مواقعها.
ويضع التقرير الشيخ أحمد مشعل الأحمد وغيره من القيادات التي أثيرت حولها الشبهات باعتبارهم، وفقاً لوجهة نظر كاتب التقرير، اختباراً لجدية الكويت في مكافحة الفساد.
وينتهي بالقول إنه إذا أرادت الكويت بناء مستقبل أفضل، فعليها أن تكون صارمة في محاسبة كل من أفسد، بغض النظر عن مكانته أو علاقاته.
ويشير في نهايته إلى وجود ملف مرفقات يحتوي على الوثائق والأدلة المدعمة للتقرير.
مرفق
وثائق عن تضارب المصالح 453 صفحة

