سحب جنسية حراس موكب الشيخ جابر الأحمد

من درع للأمير إلى مسلوبي الجنسية هذه حكاية وفاء قابلته الدولة بالجحود

المحرر
  • نُشر: Oct 15, 2026
حراس الموكب

الوطن كلمة تستثير في النفس أنينا عميقا؛ فهي الأرض التي منها خُلق الإنسان وإليها يعود، وهو الملاذ الذي تُصان فيه الكرامة وتُحفظ الهوية. قد يقسو الزمن وتشتد المحن، لكن الوطن يبقى الحضن الأخير الذي لا يُستبدل.

الوطنية مسؤولية جسيمة تُلقى على عاتق كل من يتنفس هواء البلاد ويقتات من خيراتها. ليست شعارات بالية ولا أهازيج خاوية، بل التزام بالعمل والبذل والعطاء بلا مقابل ولا منّة.

وعند ذروة الوطنية يبرز الفداء بالروح والدم، وهو أعظم ما يقدمه الإنسان لوطنه. وليس غريبا على أهل الكويت أن يحيطوا أرضهم بأرواحهم سورا منيعا، كما كنا نغني «الكويت بلادنا الكويت... أرواحنا سورها».

محاولة اغتيال الشيخ جابر الأحمد (25 مايو 1985)

في صباح الخامس والعشرين من مايو 1985 اهتزت الكويت على وقع واحدة من أخطر العمليات الإرهابية في تاريخها الحديث، حين تعرّض موكب الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح لمحاولة اغتيال دموية نفذتها عناصر مرتبطة بتنظيم حزب الدعوة العراقي الموالي لنظام الطاغية صدام حسين آنذاك.

جاءت العملية في سياق توتر إقليمي حاد؛ فالحرب العراقية–الإيرانية كانت مشتعلة، والكويت متهمة من بغداد بالانحياز إلى طهران، فكان استهداف رأس الدولة رسالة سياسية دامية. وقد استخدم المنفذون سيارة مفخخة اعترضت الموكب قرب قصر السيف، ما أسفر عن انفجار ضخم خلّف قتلى وجرحى.

نجا الأمير بأعجوبة بعدما أصيب إصابات طفيفة، بينما ارتقى اثنان من حرسه شهداء في لحظتها، وكانا من فئة البدون.

وعلى النقيض، الثمانية الآخرون الذين واجهوا الخطر ذاته لم ينالوا التكريم نفسه، بل عانوا التهميش والتسريح من الخدمة أو التضييق والحرمان. هذا السرد لم يأت من فراغ، بل وثقته الشيخة أوراد جابر الأحمد في ندوة عام 2007، حين كشفت حجم الإجحاف الذي وقع على هؤلاء الحراس الأبطال.

تجنيس متأخر لا يوازي التضحية

مرت السنوات ثقيلة على الحراس الذين نجوا من محاولة الاغتيال. وبعد عقدين كاملين، أي في عام 2006، صدر قرار بتجنيس اثنين فقط من هؤلاء الأبطال: حسن الشمري وزيد الحربي.

وفي 2014 جاء الدور على أربعة آخرين، حين أعلن وزير الداخلية آنذاك الشيخ محمد الخالد منحهم الجنسية، بوصفها "تقديرا لتضحياتهم".

بيد أن هذا الاعتراف بدا متأخرا إلى حد الفجيعة؛ فما قيمة تجنيس يأتي بعد عشرين وثلاثين سنة، وقد شابت الرؤوس ورحل نصف الرجال تحت التراب.

وبحسب رواية الشيخة أوراد جابر الأحمد في ندوة عام 2007، فإن الجرح لم يكن في محاولة الاغتيال وحدها، بل في ما تلاها من ممارسات رسمية. فقد سرح عدد من الحراس من الخدمة، وأُجبر بعضهم على مغادرة البلاد تحت ذريعة "تعديل الوضع"، فيما بقي آخرون يترقبون وعدا بالإنصاف لم يتحقق إلا بعد عقدين من الزمن. هذا التأخر في منح الجنسية لم يكن تكريما بقدر ما كان إمعانا في جرح من ضحوا بأرواحهم دفاعا عن الأمير والوطن.

حراس موكب الشيخ جابر

سحب الجنسية: الجحود الأكبر (2025)

﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾، آية كريمة تختصر المأساة. فبعد مرور أربعة عقود على محاولة الاغتيال، جاء القرار الفادح في عام 2025: إسقاط الجنسية عن بعض حراس الموكب، ومن بينهم حسن الشمري وزيد الحربي، وهما اللذان نالا الجنسية في 2006 بعد عقدين من الانتظار.

إنه مشهد مؤلم يترجم نكرانا فاضحا للتضحيات، فالدولة التي تأخرت في منحهم الجنسية بعد عشرين وثلاثين عاما، عادت اليوم لتسلبهم إياها وكأنها تطمس التاريخ نفسه. الأسوأ أن حسن الشمري ما زال حتى اليوم يعاني من آثار الشظايا التي أصابته في التفجير، ويتلقى العلاج منذ ذلك الحين، ليُفاجأ بخبر سحب جنسيته.

وقد وصفت الشيخة أوراد جابر الأحمد في شهادتها عام 2007 ما تعرض له هؤلاء الحراس بأنه "إخلال صارخ بالعرفان"، غير أن ما جرى في 2025 تجاوز حدود النكران إلى إهانة مباشرة لذاكرة الفداء نفسها.

الأوسمة لمن لا يستحقونها

الكويت اعتادت أن تمنح أرفع الأوسمة لشخصيات سياسية ودبلوماسية لم تقدم للوطن سوى أدوار بروتوكولية عابرة، بينما يغيب التكريم عن الذين افتدوا الأمير بأجسادهم.

لقد كان وسام الكويت ذو الوشاح من الدرجة الأولى من نصيب وزير الخارجية السابق الشيخ أحمد ناصر المحمد، وذلك في السنة الأولى من توليه منصبه، حيث اكتفى بدور ناقل للرسائل بين العواصم خلال الأزمة الخليجية، لينال بعد فترة وجيزة أرفع وسام.

وعلى النقيض، ظل حراس الموكب الذين تصدوا للموت محرومين من أي وسام، بل جرى لاحقا إسقاط الجنسية عن بعضهم. وكما يقول المثل الكويتي: "منكر حسنه".

أصوات نبيلة داخل الأسرة الحاكمة

﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، هكذا يمكن توصيف المواقف النادرة التي برزت من داخل أسرة الصباح دفاعا عن حراس الموكب.

- الشيخة أوراد جابر الأحمد: منذ أكثر من عشرين عاما وقفت تدافع عن حقوق البدون، وظهرت في ندوة عام 2007 لتكشف حجم الظلم الذي لحق بالحراس وتطالب بتجنيسهم.
- الشيخ علي جابر الأحمد: كتب عام 2010 مقالا دعا فيه إلى إنصاف الحراس الذين افتدوا الأمير، مسجلا موقفا أخلاقيا يليق بدمائهم.
- الشيخ علي جابر العلي: عبر في تغريداته الأخيرة عن رفضه لسحب الجنسيات، واعتبر ما جرى إهانة صريحة لتضحيات الأبطال.

هذه الشهادات من داخل البيت الحاكم تكسر جدار الصمت، وتؤكد أن الحق لا يُحجب وإن حاولت السياسة طمسه.

حين يُكرّم الحيوان ويُهان الإنسان

المشهد يبدو صادما عند مقارنته بما يجري في دول أخرى. في بريطانيا مثلا، أقيم في الهايد بارك نصب تذكاري للخيول والكلاب التي خدمت في الحربين العالميتين، وتُمنح تلك الحيوانات أوسمة عسكرية رفيعة مثل "ميدالية ديكن" وهي تعادل أرفع وسام بشري في السلك العسكري البريطاني. وتُقام احتفالات سنوية في الرابع والعشرين من فبراير لتخليد ذكراها، وتُسجّل أسماؤها في كتب التاريخ العسكري.

وبالمقابل، يقف أبطال الكويت الذين تصدوا لمحاولة اغتيال استهدفت رأس الدولة، ما زال بعضهم يعاني من جراح ذلك اليوم، وقد جُرّد بعضهم من جنسيته، وكأن الوطن لا يعترف بدمائهم.

جرح لا يندمل

قضية حراس موكب الشيخ جابر الأحمد ليست مجرد حادثة عابرة في سجل الأمن الكويتي، إنما هو اختبار أخلاقي وسياسي للدولة بأسرها فهؤلاء الرجال لم يكونوا شهودا على محاولة اغتيال، بل درعا منيعا حصينا أنقذ الأمير، ودفع بعضهم حياته ثمنا، فيما واصل آخرون معاناة جسدية ونفسية استمرت أربعة عقود.

ورغم ذلك، جاء التعاطي الرسمي متأخرا مترددا باردا: تجنيس بعد عقود، ثم سحب جنسية أي مهزلة يعيشها وطني؟ أي دين يقبل بهذا؟

الذاكرة الوطنية لا تُبنى بالأغاني والرقصات الشعبية التي نعجز عن حصرها، بل بالوفاء لمن صانوا الوطن بدمائهم. والوفاء هنا غائب، والخذلان حاضر. وما لم يُصحّح هذا المسار، ستظل هذه القضية شاهدا على أن الدولة في لحظة فاصلة نكرت المعروف ونقضت العهد.

ويكفي أن نستحضر قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾